أحمد بن علي القلقشندي

112

صبح الأعشى في صناعة الإنشا

الأنجم للتعلَّم من أنوائها ، تقبيلا يودع ورق الرسائل أزاهره ، ويطلع في ليالي السّطور زواهره ، ويدّخر في أيدي الحروف إلى أن تصل إلى أجياد المنابر جواهره . وينهي - بعد دعاء صالح ، إذ جدّد تجدّد ، وولاء ناجح ، إذا انعطف تأكَّد ، وثناء سانح ، إذا سرى لا يتوقّف إلَّا أنّ نسيمه في الآفاق يتردّد ، وارتياح لما يرد من أخبار دياره السارّة إذا شافه سروره سمع الوليّ شهد وسمع الحاسد تشهّد ، حيث يتلقّى ببلاده النّجح والمقاصد ، وصلات البرّ والعوائد ، ووفود الآمال من كل أوب ، فديار بكر ديار زيد وعمرو وخالد - ورود المشرّف الكريم ، بل الغيث السائر بخصب المقيم ، على يد فلان ونعم اليد العائلة لأيادي البرّ العميم ، ونعم المشرّف الوارد عن مقرّ ، هذا للأمل كهف وهذا للتأميل رقيم ، ففضّه المملوك عن علامة اسم لحسنها رسوم ، ولها رسوم ، واستجلى مواقع تلك الأنامل المضيّة وأقسم على فضلها بمواقع النّجوم ، وانتهى إلى الإشارات العالية ، وعلم ما كان القلب يعلمه من ضمائر الودّ الحاليّة لا الخالية ، وقابل كلّ أمر حسن بما يجب من مذاهب الودّ المتوالية ، ووصلت السّناقر المنير سنا فضلها ، المبير في معارك الصيد شبا نصلها ، القائمة في كواسر الطير مقام الملوك الأكاسرة ( 1 ) إلَّا في حكمها وعدلها ، لا جرم ( 2 ) أنها إذا دخلت آفاق طير أفسدتها وجعلت أعزّة أهلها أذلَّة ، وإذا انقضّت على سرب وحش جذبتها من دم الأوردة بأرسان حيث كستها من قوادم الأجنحة أجلَّة ، لا يسأل كاسرها في الطَّيور بأيّ ذنب قتلت ، ولا يحملها جانب الطير والوحش إذا عاندته ، فيا عجبا لها

--> ( 1 ) أول من ملك من الأكاسرة أردشير بن بابك من عقب ساسان بن أردشير بهمن ، قتل اردوان واستولى على ملكه ، فأقام أربع عشرة سنة وعشرة أشهر ، وكتب عهدا بالملك ، في عقبه ، وملك بعده ابنه سابور . ويقال لكل منهم « كسرى » بكسر الكاف وفتحها ، وربما قيل لهم « الساسانيّة » نسبة إلى جدّهم ساسان بن أردشير بهمن . وآخر ملوكهم يزدجرد الذي انقرض ملكه على يد المسلمين في خلافة عثمان . انظر ج 4 من هذا المطبوع ص 414 - 416 ، وج 6 ص 481 . ( 2 ) لا جرم : لا بدّ ولا محالة . لسان العرب ( جرم ) .